تراث الحرف اليدوية

تراث الحرف اليدوية

تراث الحرف اليدوية

تراث الحرف اليدوية

إبداع يحقق الهوية المصرية

الذاكرة البصرية للشعب المصري تجسدت دائمًا في فنونه التشكيلية وحرفه اليدوية، في خط متواصل لا ينقطع، برغم حدوث فترات انقطاع حضاري بين العصور المتعاقبة مع موجات الاستعمار، لكن الشعب البسيط في الريف والمدن كان يملأ تلك الفجوات الحضارية بإنتاج أنماط فنية من إبداعه تلبي احتياجات حياته وعاداته ومعتقداته، فتجلت من خلالها ملامح هويته القومية وروحه الصامدة عبر الزمان. وكانت تلك الروح هي التي بلورت ثقافته وحفظتها من الذوبان في العديد من الثقافات والهويات الوافدة والدخيلة، وإن أفادت منها وتمثلتها وانفتحت عليها جميعًا. في فترات تاريخ سابقة. حتى أواخر العصر العثماني. كانت الحرف التقليدية بمثابة الصناعة الوطنية الثقيلة في مصر، حيث كانت تشكل القوة الإنتاجية الثانية بعد الزراعة، وكان إنتاجها يلبي احتياجات أهل البلاد من الملبس والمعمار وما يضعه من فنون الزخارف الحجرية والخشبية والخزفية والزجاجية، ومن أعمال التطعيم بالعظام والمشغولات النحاسية والفضية والمنسوجات الحريرية والصوفية وأشغال التطريز والخيامية.. وعشرات الحرف الأخرى، هذا إلى جانب المنتجات التي يتم تصديرها إلى البلدان الأخرى من كافة الحرف المتوارثة، وكان لتلك القاعدة الصناعية أحياء بكاملها يعيش فيها الحرفيون تحت نظام دقيق هو نظام الطوائف الحرفية، له قواعده وأصوله وأربابه وشيوخه، ويحسب الحكام والأمراء حسابه في كل عهد، فلا يجورون على حقوق أصحاب الحرف، بل يشملونهم برعايتهم وتشجيعهم، لأنهم يستفيدون في النهاية من الدخل المادي الذي يأتي من رواج الإنتاج إلى جانب الأبهة التي يحققها لهم الحرفيون في قصورهم ومنشآتهم ومظاهر حياتهم.

وقد مرت الحرف في مصر بمحنة قاسية عند انكسار دولة المماليك على يد السلطان العثماني سليم الأول عام 1517م. وكان أول ما فعله السلطان بعد أن استتب له حكم مصر هو أخذ مئات الحرفيين المهرة وشيوخ الصنعة لعشرات الحرف الفنية المتوارثة ونقلهم إلى اسطنبول، ليؤسسوا هناك منشآت وصناعات حرفية تماثل ما يوجد في مصر، وقد أحصى المؤرخ الشهير ابن أياس عدد الحرف التي توقفت بعد اقتلاع أربابها من ديارهم بخمسين حرفة، لكن مصر الولادة والخلاقة دائمًا، سرعان ما أنجبت أجيالاً جديدة من الحرفيين في تلك المجالات، واستمرت مسيرتها الحضارية حتى ولو لم تجد الرعاة لأرباب الحرف بنفس القدر الذي كان يتوفر لهم من قبل، ولا شك أن بصمات المبدعين المصريين لا تزال باقية فوق الصروح المعمارية والمنشآت المحتشدة بالتصميمات الجمالية في مدن تركيا، وكانت حجر الأساس لنهضة عمرانية قام بها الأتراك مع مرور الزمن، هي التي تزهو بها وبهم تركيا اليوم، وقد تذكر أو لا تذكر أن أجدادهم ومعلميهم كانوا من المصريين.

غير أن متغيرات الحياة وعوامل التقدم المادي أدت إلى ضعف أغلب الحرف اليدوية التقليدية في المدينة والقرية، وإلى تعرض بعضها للاندثار، لأن الحرفة بنت الضرورة والوظيفة النفعية، فلم تعد الأواني الفخارية والنحاسية والفضية المزينة بأدق الوحدات الزخرفية هي ما يحتاجه الإنسان في عصر الثلاجة والبلاستيك والألومنيوم و”الاستانلس” ولم تعد السجادة الصوفية التي تنسج على مدى أسابيع متصلة فوق النول اليدوي تناسب عصر النسيج الميكانيكي السريع والمبهر بتقنياته وتصميماته، ولم يعد المنزل يحتوي على مشربية خشبية كي تطل منها النساء على الخارج دون أن يراهن أحد، كما لم يعد البيت العصري بحاجة إلى الفصل بين أجنحة الحريم والرجال بسواتر من المثقبات الخشبية ومحرزات ومصبعات الخرط الدقيقة، كما أن المقاعد والأرائك الخشبية ذات الأحجام الكبيرة المزخرفة بآلاف القطع الصغيرة كالذرات متناهية الصغر من الصوف والعظم قد استبدلت بأنماط من الأثاث البسيط تخلو من الزخارف والوحدات التجميلية، ولم تعد ثمة حاجة إلى قناديل الزيت والشمعدانات النحاسية والمشكاوات وثريات الشموع المنفذة بالزجاج المنفوخ يدويًّا وفي وجود أجهزة التكييف انتفت الحاجة إلى نوافير الفسيفساء وبلاطات القيشاني المزركشة، وكذلك لم يعد هناك مجال لاستخدام مقاعد الجريد وبسط  الحصير وأشغال الخوص وغيره من منتجات خامات النخيل.. وقس على ذلك في شتى أدوات الحياة اليومية ومجالاتها، من عمارة وسرادقات وأزياء بطرزها الشعبية والتراثية، كل هذا إلى جانب اندثار العادات والتقاليد والمعتقدات التي كانت ترتبط بأنماط تلك المنتجات اليدوية.

وليس هذا هو وضع الحرف في مصر وحدها، بل هو حال كل دول العالم التي شهدت مظاهر التقدم في الحياة المدنية، لكن أغلب الدول ذات الإرث الحضاري الممتد من الاندثار، بل في تنميته واستثماره استثمارًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا هائلاً، من خلال تطوير وظائفه وأغراضه للتعايش مع واقع العصر، ولتصبح عنصرًا جماليًّا يثير الحنين إلى زمن كانت الحياة فيه تقوم على اللمسة الإنسانية الحية، وعلى المنتج الأصلي المتفرد، وليس على الإنتاج النمطي المتكرر ذي الكم الكبير والمتشابه عبر الميكنة الصناعية، وأدى ذلك. في البلدان التي أدركت أهمية استثمار تراثها الحرفي. إلى إقامة آلاف الورش والمصانع. وبالتالي إلى خلق مئات الألوف وربما الملايين من فرص العمل لشبابها، وإلى فتح أسواق لتصريف منتجاتها في كل مكان، ما جعلها تتحول من دول فقيرة، أو دول مستهلكة لما ينتجه غيرها.. من أزياء وأثاث ومفروشات وأدوات منزلية وكافة احتياجات الحياة اليومية، إلى دول غنية من عائد تصدير منتجاتها الغزيرة من الحرف اليدوية لمختلف أنحاء العالم، إضافة إلى تعميقها للبعد الثقافي كدول ذات إرث حضاري يجعلها تقف باعتداد أمام الدول المتقدمة في عصر العولمة، بلا ميزة تنافسية غير إبداعها الشعبي.

وقد اهتمت الدولة في مصر فترة الستينيات بهذا المجال فأنشأت ستة مراكز بالقاهرة لأحياء الحرف التراثية والتدريب عليها، وكان مركزها الأساسي هو مبنى وكالة الغوري بحي الأزهر، ونجحت في تحقيق صحوة ملموسة في ميادينها المختلفة، ثم استأنفت وزارة الثقافة خلال التسعينيات من القرن الماضي هذه الصحوة، بعد غفوة طويلة، فأقامت مبنيين جديدين أحدهما الخزف أواخر التسعينيات والآخر للحرف التقليدية “2005” بمنطقة الفسطاط التاريخية “جنوب القاهرة”، وكان ذلك في الحقيقة مجرد دليل رمزي على تواجد واستمرار هذه الحرف، لكن نظرًا لأنها لا تتواجد فقط في أحياء القاهرة التاريخية، بل تنتشر في كافة أقاليم مصر عبر مدنها وقراها ومجتمعاتها الصحراوية والساحلية، فإن الأمر أصبح يتطلب إنشاء مؤسسة وطنية كبرى ترعى هذا النشاط وتستقطب إليه المستثمرين ليقيموا عشرات المراكز الحرفية للتدريب والإنتاج والتسويق داخل مصر وخارجها، ؟؟؟؟ بدول كثيرة ليست أغنى من مصر في تراثها وتقاليدها الحرفية الممتدة عبر التاريخ.

والخطوة على هذا الطريق، تأسست في منتصف التسعينيات من القرن العشرين جمعية أهلية كان روادها عددًا من الفنانين التشكيليين وأرباب الحرف هي جمعية “أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة” أخذت مقرها في قلب القاهرة التاريخية حيث لا يزال يعيش تراثها العريق، وهو مبنى وكالة الغوري، الذي كان، حتى سنوات قليلة مضت. هو مركز الحرف التقليدية التابع لوزارة الثقافة، قبل أن ينتقل إلى منطقة الفسطاط.

وخلال مسيرتها استطاعت “أصالة” استقطاب مئات الفنانين والمثقفين كأعضاء شاركوا في الدعوة لإحياء التراث، وأقامت عددًا من المشروعات الهامة لتدريب أجيال جديدة من شباب منطقة القاهرة التاريخية على شتى الحرف، وافتتحت معرضًا دائمًا لتسويق منتجاتهم في نفس المبنى، وانتقلت بهذه المنتجات إلى عديد من المواقع داخل مصر وخارجها، وشجعت أعضاءها من الفنانين الأكاديميين على التفاعل مع الحرفيين التقليديين من أجل ابتكار تصميمات فنية متطورة، فيما تحتفظ بملامحها التراثية العريقة، وساعد ذلك على جذب جمهور متجدد من المصريين والأجانب على السواء لاقتناء بعض هذه المنتجات، مما عاد على العاملين بدخل إضافي كانوا في أمس الحجة إليه، لكن أهم ما قامت الجمعية بإنجازه هو إصدار موسوعة لأول مرة في مصر. عن الحرف التقليدية وتضم أجزاؤها المتعاقبة كل ما يتعلق بتاريخ كل حرفة، بأنماطها الجمالية وجذورها العقائدية، وخاماتها وتقنياتها ومصطلحاتها الفنية.. وها هي تستعد حاليًا لإصدار الجزء الثالث منها.. وموضوعه هو الحرف المرتبطة بالعمارة الشعبية، والحرف المستمدة من خامات النخيل.

Comments (1)

  • Reply A WordPress Commenter - نوفمبر 14, 2020

    Hi, this is a comment.
    To get started with moderating, editing, and deleting comments, please visit the Comments screen in the dashboard.
    Commenter avatars come from Gravatar.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked*